المقريزي
162
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الصيارفة فشغبوا وصاحوا معاوية خال عليّ بن أبي طالب ، فهمّ جوهر أن يحرق رحبة الصيارفة ، لكن خشي على الجامع ، وأمر الإمام بجامع مصر أن يجهر بالبسملة في الصلاة وكانوا لا يفعلون ذلك ، وزيد في صلاة الجمعة القنوت في الركعة الثانية ، وأمر في المواريث بالردّ على ذوي الأرحام ، وأن لا يرث مع البنت أخ ولا أخت ولا عم ولا جدّ ولا ابن أخ ولا ابن عم ، ولا يرث مع الولد الذكر أو الأنثى إلّا الزوج أو الزوجة والأبوان والجدّة ، ولا يرث مع الأمّ إلّا من يرث مع الولد ، وخاطب أبو الطاهر محمد بن أحمد قاضي مصر القائد جوهرا في بنت وأخ ، وأنه كان حكم قديما للبنت بالنصف وللأخ بالباقي ، فقال لا أفعل فلما ألح عليه قال : يا قاضي هذا عداوة لفاطمة عليها السلام ، فأمسك أبو الطاهر ولم يراجعه بعد في ذلك ، وصار صوم شهر رمضان والفطر على حساب لهم ، فأشار الشهود على القاضي أبي الطاهر أن لا يطلب الهلال ، لأنّ الصوم والفطر على الرؤية قد زال ، فانقطع طلب الهلال من مصر وصام القاضي وغيره مع القائد جوهر كما يصوم ، وأفطروا كما يفطر . ولما دخل المعز لدين اللّه إلى مصر ونزل بقصره من القاهرة المعزية ، أمر في رمضان سنة اثنتين وستين وثلاثمائة فكتب على سائر الأماكن بمدينة مصر خير الناس بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام . وفي صفر سنة خمس وستين وثلاثمائة جلس عليّ بن النعمان القاضي بجامع القاهرة المعروف بالجامع الأزهر وأملى مختصر أبيه في الفقه عن أهل البيت ، ويعرف هذا المختصر بالاقتصار ، وكان جمعا عظيما وأثبت أسماء الحاضرين . ولما تولى يعقوب بن كلس الوزارة للعزيز بالله نزار بن المعز رتب في داره العلماء من الأدباء والشعراء والفقهاء والمتكلمين ، وأجرى لجميعهم الأرزاق ، وألف كتابا في الفقه ونصب له مجلسا وهو يوم الثلاثاء يجتمع فيه الفقهاء وجماعة من المتكلمين وأهل الجدل ، وتجري بينهم المناظرات ، وكان يجلس أيضا في يوم الجمعة فيقرأ مصنفاته على الناس بنفسه ، ويحضر عنده القضاة والفقهاء والقرّاء والنحاة وأصحاب الحديث ووجوه أهل العلم والشهود ، فإذا انقضى المجلس من القراءة قام الشعراء لإنشاد مدائحهم فيه ، وجعل للفقهاء في شهر رمضان الأطعمة ، وألف كتابا في الفقه يتضمن ما سمعه من المعز لدين اللّه ومن ابنه العزيز بالله ، وهو مبوّب على أبواب الفقه يكون قدره مثل نصف صحيح البخاريّ ، ملكته ووقفت عليه ، وهو يشتمل على فقه الطائفة الإسماعيلية ، وكان يجلس لقراءة هذا الكتاب على الناس بنفسه وبين يديه خواص الناس وعوامّهم وسائر الفقهاء والقضاة والأدباء ، وأفتى الناس به ودرّسوا فيه بالجامع العتيق ، وأجرى العزيز بالله لجماعة من الفقهاء يحضرون مجلس الوزير ويلازمونه أرزاقا تكفيهم في كلّ شهر ، وأمر لهم ببناء دار إلى جانب الجامع الأزهر ، فإذا كان يوم الجمعة تحلقوا فيه بعد الصلاة إلى أن تصلّى صلاة العصر ، وكان لهم من مال الوزير أيضا صلة في كلّ سنة ، وعدّتهم خمسة وثلاثون رجلا ، وخلع عليهم العزيز